محمد عبد الكريم عتوم

201

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

الإسلام الأول قيمة إيجابية ، ولم يكن لها في الإسلام التاريخي نفسه القيمة التي نميل إلى إعطائها اليوم " « 1 » . ويرى الباحث أن مبدأ ضرورة الدولة والحكومة ، هو مبدأ متفق عليه عند أهل السنة والجماعة وعند الشيعة الإمامية على السواء ، وهو مبدأ منبثق من طبيعة الشريعة الإسلامية ، وليس مجرد تشريع منفصل من جملة تشريعاتها . واعتبرها البعض بأنها ظاهرة نبوية حيث رأى أن ظاهرة الدولة ترتبط سببياً وزمنياً بظاهرة النبوة ، وأن جميع الرسالات السماوية وليس الإسلام فقط ، كانت تستهدف مباشرة إقامة دولها الخاصة " فالأنبياء هم الذين بادروا بإقامة الدولة في ظل قواعد عادلة وأصول موضوعية " « 2 » . فهي استجابة للفطرة والضرورة التي تقتضيها طبيعة الاجتماع البشري الذي لا يعقل تحققه من دونها . والمجتمع الإسلامي ليس شذوذاً خارجاً عن هذه الفطرة ، وعن هذه الضرورة . وهي " الدولة " ضرورة يفرضها كون الإنسان المجتمع جزءاً من الكون المحكوم بنظام كوني ثابت وشامل لجميع الموجودات في عوالم الجماد ، والحياة النباتية ، والحيوانية . . . هذه العوالم التي يقف الإنسان في قمتها كائناً ، واعياً ، عاقلًا ، مريداً ، مختاراً ، حراً . وقد سخَّر الله له سائر العوالم ، وزوده بالوسائل والقدرات المادية ، والعقلية ، والنفسية للانتفاع بها في نطاق استخلافه « 3 » . إن ما يذهب إليه بعض المفكرين المعاصرين في أطروحاتهم للفصل بين الدين والدولة ، يعود إلى اختلاف مفهوم الدولة في العصور الإسلامية القديمة عن العصر الحديث . كما أن الإسلام أعطى الأولوية والأهمية للأمة الإسلامية بالدرجة الأولى ، ولم تكن الدولة سوى أداة من أدواتها ، تستهدف الحفاظ على وحدتها . هذا بالإضافة إلى أن الانحرافات التي حدثت منذ العهد الأموي وحتى الدولة العثمانية ، أدت إلى اعتزال الفقهاء عن الخوض في فقه الدولة وسائر جوانب الفقه السياسي ، مما جعل الفقه السياسي في الإسلام أكثرها فقراً وأقلها أصالةً وحيوية . لكن التشريع الإسلامي في هذا المجال شيء ، والتجارب الإسلامية السياسية شيء آخر مختلف ، ولا يمكن القياس عليها .

--> ( 1 ) - غليون ، 1991 ، 58 . ( 2 ) - القبانجي ، 1997 ، 95 . ( 3 ) - شمس الدين ، 1999 ، 73 .